عمرو خالد المسيح الدجال

ظهرت جميع علامات المسيح الدجال على الإخوانجي الخارجي عمرو خالد وهم 16 علامة فهل هو المسيح الدجال مثلما أظن فيه ؟ ولماذا يسعى بقوة ليحكم مصر ؟؟
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
ـــــــــ قدر الله تعالى أن يبعث سفياني الشام ليعيد فرض الجزية على النصارى ... وكأنها توطئة للمسيح عيسى بن مريم عليه السلام الذي ( يضع الجزية ) التي سبق وأعادها السفياني !!! ولولا أن السفياني أعادها ما كان ليعقل أن يضع المسيح الجزية وهي غير مطبقة أصلا في أرض العرب الآن !!! فسبحان الله الذي هيأ سفياني الشام ليعيد الجزية التي سوف ( يضعها ويبطلها ) المسيح عليه السلام بأمر مسبق من الله تعالى !!!
............... اللهم بلغ عني النذير فلا طاقة للعبد الفقير , اللهم بلغ النذير فإنك أنت القوي القدير , اللهم أبصر به وأسمع ما لي من دونك من ولي فبلغ بقدرتك ما عجز عنه ضعف عبدك . اللهم آمين ............... اللهم بلغ عني النذير فلا طاقة للعبد الفقير , اللهم بلغ النذير فإنك أنت القوي القدير , اللهم أبصر به وأسمع ما لي من دونك من ولي فبلغ بقدرتك ما عجز عنه ضعف عبدك . اللهم آمين ............... اللهم بلغ عني النذير فلا طاقة للعبد الفقير , اللهم بلغ النذير فإنك أنت القوي القدير , اللهم أبصر به وأسمع ما لي من دونك من ولي فبلغ بقدرتك ما عجز عنه ضعف عبدك . اللهم آمين
عمرو خالد يحرص على تصوير نفسه في الحرمين لإنكار ظني فيه بأنه هو المسيح الدجال ولكن يا عمرو خالد المسيح الدجال لا تحرم عليه مكة والمدينة إلا بعد ( خروجه بفتنته مدة الأربعين 40 يوم فقط ) أما قبل ذلك فلا تحرمان عليه وعندي الدليل من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في قسم الأبحاث عن المسيح الدجال و إثبات أن مكة والمدينة لا تحرمان عليه إلا بعد ( الخروج بفتنته )

شاطر | 
 

  عندما تشرق الحقيقة 1

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الأواب
الفقير إلى الله أسد الحرمين المرابط
الفقير إلى الله أسد الحرمين المرابط


عدد المساهمات : 83
تاريخ التسجيل : 14/04/2014

مُساهمةموضوع: عندما تشرق الحقيقة 1   السبت 17 مايو 2014 - 1:21


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إنَّ الحَمْدَ لله ، نَحْمَدُه ، ونستعينُه ، ونستغفرُهُ ، ونعوذُ به مِن شُرُورِ أنفُسِنَا ، وَمِنْ سيئاتِ أعْمَالِنا ، مَنْ يَهْدِه الله فَلا مُضِلَّ لَهُ ، ومن يُضْلِلْ فَلا هَادِي لَهُ . وأَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبْدُه ورَسُولُه
.
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَآل عمران : 102 .
يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًاالنساء : 1 .
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًاالأحزاب : 70-71 .
 

إن الصراع بين الحق والباطل ، والخير والشر ، قصة قديمة استهلت فصولها مع بداية وجود الإنسان على الأرض ، وسوف تتواصل فصولها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . فعندما ظهر الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان لم يتوقف سيل الشبهات التي يثيرها المشككون من خصوم هذا الدين تشكيكاً في مصادره أو في نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم أو في مبادئه وتعاليمه ، ولا تزال الشبهات القديمة تظهر حتى اليوم في أسماء حديثة وأثواب جديدة يحاول مروجوها أن يضيفوا عليها طابعاً علمياً مزيفاً . ولقد مرت الأمة الإسلامية بمنعطفات خطيرة ، وتعرضت لمؤامرات خبيثة من أعدائها استهدفت تقويض أركان دينها الحنيف ، ولكن الله سبحانه وتعالى بحكمته ورحمته أطفأ كل نار أوقدوها ، وفضح مكرهم وكيدهم ، قال تعالى : ( كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) المائدة 64 ، وقال تعالى : ( وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) إبراهيم 46 ، وقال تعالى : ( إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً )  الطارق 15-17 ، وقال تعالى : ( وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ )  الأعراف 182-183 . فأعداء الإسلام من جميع الملل والنحل ما فتئوا يحاربونه بكل الوسائل والسبل ، وقد تنبه إلى التاريخ وأثره مبكراً أعداء الإسلام من يهود ونصارى وملاحدة ، ولا يجادل عاقل في أن تاريخ أي أمة من الأمم يؤثر في بناء مستقبلها كما يؤثر في حاضرها وواقعها المعاش ، فهو ذاكرتها التي بقدر ما تسلم لها وتحسن التعامل معها تقوى شخصيتها ، وتبرز قدراتها ، ويمتد تأثيرها ، فهي لا تشعر بذاتها وبشخصيتها الحاضرة على الوجه الصحيح إلا إذا كان لها تاريخ ، تماماً كالفرد الذي لا يشعر بكيانه إلا من خلال ذاكرته ، فكانت محاولات العبث بالتاريخ الإسلامي خاصةً من أخطر الميادين التي ولجوها . وإننا بذكر الحقيقة لا نريد أن نتوارى عن واقعنا الذي نعيشه ومعاناته والتهرُّب منه ، ولكننا نريد من ذلك كله أن نأخذ عبرةً وزاداً نصنع من خلاله مستقبلاً مُشْرقاً نربطه بجسورٍ متينةٍ مع تاريخ سلفنا الصَّالح ، والإقتداء بهم في ما قدَّموه للبشرية من حضارة ورقي . لقد كتب الله سبحانه وتعالى لليهود العلو في الأرض كما جاء في القرآن الكريم ، قال تعالى : ( وَقَضَيْنَآ إِلَىَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنّ فِي الأرْضِ مَرّتَيْنِ وَلَتَعْلُنّ عُلُوّاً كَبِيراً (4) فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مّفْعُولاً (5) ثُمّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الاَخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوّلَ مَرّةٍ وَلِيُتَبّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً (7) عَسَىَ رَبّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً ) الإسراء 4-8 ، فتكبروا وطغوا وعاثوا في الأرض فساداً ، وجعلوا النصارى حميراً لهم يركبونها ، والمجوس كلاباً لهم يأمرونها ، ومن هذا المنطلق سأركز هنا على الخطر اليهودي غير متجاهلٍ عداوة الصليبيين والمجوس وغيرهم ، فمن مؤامرات اليهود وخططهم الخبيثة طعنهم في تاريخ الأمة الإسلامية وبث الزيف والأكاذيب والشبهات في ثنايا أحداثه وانجازاته العظيمة التي نشرت نور الإسلام وسماحته ، وبددت ظلام الكفر وكلاحته . فبدؤوا  بتاريخ العرب الذي هو امتداد لتاريخ الأمة الإسلامية ، فكان أول افتراءاتهم إدعاؤهم أن الذبيح هو إسحاق وليس إسماعيل عليهما السلام كما جاء في القرآن الكريم ، والهدف من وراء ذلك نسبة الشرف والتضحية والفداء لأنفسهم وأجدادهم مجردين العرب من كل فضل .


عدل سابقا من قبل الأواب في السبت 24 مايو 2014 - 2:05 عدل 2 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الأواب
الفقير إلى الله أسد الحرمين المرابط
الفقير إلى الله أسد الحرمين المرابط


عدد المساهمات : 83
تاريخ التسجيل : 14/04/2014

مُساهمةموضوع: رد: عندما تشرق الحقيقة 1   السبت 17 مايو 2014 - 1:45

مقدمة في فضل علم التاريخ

اعلم أن علم التاريخ من أجل العلوم قدرا، و أرفعها منزلة و ذكرا، و أنفعها عائدة و ذخرا. و كفاه شرفا أن الله تعالى شحن كتابه العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، من أخبار الأمم الماضية، و القرون الخالية، بما أفحم به أكابر أهل الكتاب. و أتى من ذلك بما لم يكن لهم في ظن و لا حساب. ثم لم يكتف تعالى بذلك حتى امتن به على نبيه الكريم، و جعله من جملة ما أسداه إليه من الخير العميم، فقال جل و علا : { تلك القرى نقص عليك من أنبائها } سورة الأعراف - آية 101. وقال : { و كلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك } سورة هود - آية 120. وقال : { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب } سورة يوسف - آية 111.

و قد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم، كثيرا ما يحدث أصحابه بأخبار الأمم الذين قبلهم، و يحكي من ذلك ما يشرح به صدورهم، ويقوي إيمانهم، و يؤكد فضلهم.

و كتاب بدئ الخلق من صحيح البخاري - رحمه الله - كفيل بهذا الشان، و آت من القدر المهم منه بما يبرد غلة العطشان.

قال بعضهم : احتج الله تعالى في القرآن على أهل الكتابين بالتاريخ، فقال تعالى : { يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم و ما أنزلت التوراة و الإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون } سورة آل عمران - آية 65.

و حكى بدر الدين القرافي - رحمه الله - أن الإمام الشافعي - رضي الله عنه - كان يقول ما معناه : دأبت في قراءة علم التاريخ كذا و كذا سنة، و ما قرأته إلا لأستعين به على الفقه.

قلت - أي أحمد بن خالد الناصري- : معنى كلام الشافعي هذا، أن علم التاريخ، لما كان مطلعا على أحوال الأمم و الأجيال و مفصحا عن عوائد الملوك و ألأقيال، مبينا من أعراف الناس و أزيائهم و نحلهم و أديانهم ما فيه عبرة لمن اعتبر، و حكمة بالغة لمن تدبر و افتكر، كان معينا عى الفقه و لا بد. و ذلك أن أجل الأحكام الشرعية مبني على العرف، و ما كان مبينا على العرف لا بد أن يطرد باطراده، و ينعكس بانعكاسه. و لهذا ترى فتاوى الفقهاء تختلف باختلاف الأعصار و الأقطار، بل و الأشخاص و الأحوال. و هذا السبب بعينه هو السر في اختلاف شرائع الرسل عليهم الصلاة و السلام و تباينها، حتى جاء موسى بشرع، وعيسى بآخر، و محمد بسوى ذلك، صلى الله على جميعم و سلم.

ثم فائدة التاريخ ليست محصورة فيما ذكرناه، بل له فوائد أخرى جليلة، لو قيل بعدم حصرها ما بعد.

قال جلال الدين السيوطي رحمه الله : " من فوائد التاريخ واقعة رئيس الرؤساء المشهورة مع اليهود ببغداد، و حاصلها أنهم أظهروا رسما قديما يتضمن أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمر بإسقاط الجزية عن يهود خيبر، و فيه شهادة جماعة من الصحابة، منهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه. فرفع الرسم إلى رئيس الرؤساء، و عظمت حيرة الناس في شأنه. ثم عرض على الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي فتأمله و قال : هذا مزور. فقيل له بما عرفته ؟ قال : فيه شهادة معاوية، وهو إنما أسلم عام الفتح. سنة ثمان من الهجرة، و خيبر فتحت سنة سبع. و فيه شهادة سعد بن معاذ، و هو مات يوم بني قريظ، و ذلك قبل فتح خيبر. فسر الناس بذلك و زالت حيرتهم " انتهى

قال أحمد بن ناجي - رحمه الله - : إن علم التاريخ يضر جهله، وتنفع معرفته، لا كما قيل انه علم لا ينفع و جهالة لا تضر.

و بالجملة : ففضيلة علم التاريخ شهيرة، و فائدته جليلة خطيرة، و مادحه محمود غير ملوم و الحديث بفضله حديث بمعلوم، ولله در القائل :

لــيــس بإنـسـان ولا عـــاقـــل ... من لا يعي التاريخ في صدره
ومن روى أخبار من قد مضى ... أضــاف أعــمـاراً إلى عـمـره
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مـنـقــول


عدل سابقا من قبل الأواب في السبت 24 مايو 2014 - 1:34 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الأواب
الفقير إلى الله أسد الحرمين المرابط
الفقير إلى الله أسد الحرمين المرابط


عدد المساهمات : 83
تاريخ التسجيل : 14/04/2014

مُساهمةموضوع: رد: عندما تشرق الحقيقة 1   السبت 17 مايو 2014 - 2:08

مقدّمة في الوعي التاريخي، وشروط قراءَة التاريخ

لم يرقَ مفهومُ التاريخ عند أكثرنا عن رواية في هذا الكتاب أو ذاك، تتحدّث عن زمنٍ مضى.. وليس ثمّة معنىً لـ فهم التاريخ ووعي التاريخ نثيره سؤالاً أو مداراً لبحث، فليس التاريخ ـ وفق التصوّر الغالب لدى غير أهله ـ سوى معرفة يتفاوت فيها الناس تبعاً لعاملين فقط، هما: سعة الإطلاع، وقوّة الحافظة .
ووفق هذا التصوّر لا يعدو التاريخ أن يكون عبارة عن طبقات متراكمة، بعضها فوق بعض، يمكن تمييزها جيداً بحدود فاصلة، كالتي نراها بين طبقات البناء، أو رفوف المكتبة، وإنما تختلف هذه الطبقات في أبعادها الثلاثة بحسب الامتداد الزمني وتعدد الأحداث السياسية الهامّة.. طبقات متراكمة هامدة، لا روح فيها .
غير أن نفراً من أهل المعرفة بالتاريخ تنبّهوا إلى أنَّ حوادث التاريخ شأنها شأن حوادث الطبيعة التي لم تُولد من العدم، بل إن لكل حادث سبباً، فأحداث التاريخ هي الأخرى لها أسباب، فبأيّ منطق نعزل الحدث عن سببه، وننظر إليه فرداً مستقلاً ؟
إذن ثمّة روح تسري في عمق التاريخ، تدعونا إلى معرفة السبب في كل حادث من حوادثه، فأصبح لـ وعي التاريخ معنىً، يتحدّد في أن الحدث التاريخي لا يُقرأ بمعزل عن سببه، ومعرفة السبب هي التي تفسِّر لنا هذا الحدث .
وبقي هذا التصوّر يمثّل النمط الأمثل لـ وعي التاريخ وقراءته إلى زمنٍ متأخر، بل لا يزال هو الغالب الشائع في أوساطنا الثقافية حتى يومنا هذا، إلا لدى النفر القليل ممَّن تخصّص في التاريخ أو تعمّق فيه .
لقد اكتشف هذا الصنف الأخير أن الحديث عن السبب لا يمثِّل إلا الحدّ الأدنى من وعي التاريخ، ذلك أن للحدث التاريخي ـ مهما كان صغيراً ـ عناصر، يدخل فيها المكان والزمان وسائر المعادلات الاجتماعية والنفسية والثقافية والسياسية والاقتصادية، وأن كل هذه العناصر تجتمع في صناعة الحدث التاريخي، وحتى حين يتغلّب بعضُ هذه العناصر ليصبغ الحدث بصبغته، فهو لا يلغي وجود العناصر الأخرى على أي حال، من هنا انبعث الحديث عن الأسباب وليس السبب في فهم الحدث التاريخي وتفسيره، فامتدت الروح في أعماق التاريخ وآفاقه، واختفى أثر الطبقات ليبدو التاريخ حركة متواصلة، لا معنى للبحث عن حدود فاصلة بين أدوارها .
ومن خلال النظرة الفاحصة في مدوّنات مؤرّخينا المؤسسين، فنادراً ما نجد ملامح لهذا الفهم، إذ تتراكم فيها الأحداث أشلاء ممزّقة، لا يربطها جسد واحد، ناهيك عن وجود الروح فيها، بل أسهم أصحاب الحوليات في تهشيم الحدث الواحد منها حتى لتجد نفسك تركض وراء أجزائه تحاول جمعها.. من هنا تبرز قيمة السبق الإبداعي الذي ظهر في منهج جديد يقوم على توحيد صورة الحدث التاريخي وربط أعضائه ببعضها، ذلك الذي سبق إليه اليعقوبي المتوفّى حدود سنة 294 هـ، والذي انتهى من كتابة تاريخه سنة 256 هـ، ليستحق به لقب المؤرخ الفاتح في عصره، وعليه مضى أبو حنيفة الدينوري (281 هـ) في الأخبار الطوال .
ولكن بدلاً من أن يشكّل هذا المنهج الجديد وعياً تاريخياً عاماً، عاد الطبري (310 هـ) إلى تهشيم الحدث التاريخي بمبضع السنين، في تاريخه الحولي الجامع الذي مضى عليه سائر المؤرخين من بعده، وحتى ابن خلدون نفسه، مع ما وضعه في مقدّمته من قوانين بالغة الأهميّة في وعي التاريخ وتفسيره.
والمرحلة الأكثر تقدّماً في وعي التاريخ نلمسها بدءاً من المسعودي (354 هـ) في مروج الذهب وحتى في التنبيه والإشراف رغم إيجازه الشديد، متمثّل في تعمّق مفهوم النقد التاريخي، والعناية بالسبب والتحليل والمقارنة، ثم جاء الفتح الجديد على يد مسكويه (421 هـ) في تجارب الأمم، الذي عبّر فيه بوضوح تام عن أن التاريخ حركة متصلة وليس طبقات متراكمة، فكان بمثابة البداية لأعلى درجات الوعي التاريخي، بداية تجد الإبداع يتجلّى حتى في عنوانها المنتخب تجارب الأمم .
لكنّا مع كل هذا التقدم مازلنا نعيش حدود السبب الواحد المباشر، كما هو ظاهر جداً عند ابن الأثير (630 هـ) في الكامل في التاريخ، ولم نقف على بُعدين آخرين ـ الاجتماعي والاقتصادي ـ بشكل واضح ومفهوم إلاّ عند ابن خلدون (808 هـ) .
ومن ناحية أخرى كان النقد التاريخي على صعيدي النص والمصدر يتقدّم أيضاً، ولكن بنحو أسرع ونضجٍ أكبر، فمنذ بدء التدوين التاريخي كان لنقد الإسناد أثره الكبير في قبول الرواية التاريخية وردّها، ذلك أن المؤرخين الأوائل قد تعاملوا مع التاريخ تعاملهم مع الحديث، وبقي الإسناد عنصراً ثابتاً في أعمال المؤرخين حتّى الواقدي (207 هـ) وغيره، وإن انقطع هذا الفن عند اليعقوبي الذي اكتفى بذكر مصادره في مقدمته، فإنه عاد بشكل واضح عند الطبري .
فلما حُفظت الأسانيد في مصادرها صار المؤرخون يستغنون عنها اكتفاءً بذكر المصدر، طلباً للسهولة، وكذا مع فقد المصادر، إذ لا تكاد تجد مؤرخاً لا يعرّج على نقد مصادر التاريخ قبل الشروع في تاريخه، وفي مطاوي عمله أيضاً، وربما تكون مقدّمة المسعودي، ثمّ رؤاه النقدية لمصادره في بطون كتابيه من أكثر الشواهد المتقدّمة على ذلك، كما ترقّى المسعودي إلى نقد المتون مستفيداً من معرفة عنصر فائق الأهمية، ألا وهو العوامل المؤثِّرة في تدوين التاريخ من عوامل سياسية وقومية وقبلية ومذهبية وذاتية، تلك التي شخصها ابن خلدون فيما بعد تحت عنوان الدوافع نحو الكذب في التاريخ.
ومن هذين البُعدين: العناصر المساهمة في صنع الحدث، والعوامل المؤثّرة في التدوين، يُشكِّل الوعي التاريخي بمعناه الكامل .
ومن هنا ندّعي أن المقدِّمة الأولى في قراءة التاريخ والإفادة منه هي التوفّر على العلم الحقيقي بهذين البعدين معاً، أو على الأقل المعرفة الواضحة بهما معاً، علماً أن مجرّد المعرفة إنما يفيد في إمكان القراءة الواعية، لكنه لا يكفي لتحقق الإفادة الصحيحة من التاريخ .
فالمعرفة الواضحة بذينك البُعدين تعيننا على تشخيص عدّة أمور أساسية، منها :
1. منهج المؤرِّخ .
2. أسلوبه في التعامل مع الرواية التاريخية .
3. مدى نجاحه في الوصول إلى الرواية الصحيحة أو الأقرب إلى الصحّة .
4. الضوابط التي اعتمدها في الانتخاب والنقد والتحليل .
5. الوقوف على مثل هذه الأمور سيُمكننا من إجراء دراسة مقارنة بين المصادر التاريخية من أجل التحقيق في الحدث التاريخي الواحد وصولاً إلى صورته الأكمل وصياغته الأصدق .
6. اكتشاف الأسباب الحقيقية للحدث، أيْ العناصر المختلفة التي أسهمت في صناعته، مع المعرفة التقريبية بنسبة الأثر الذي يمثّله كل واحدٍ من هذه العناصر .
ومن هنا سنقف على تاريخ متحرّك، ذي صور واضحة ومعالم شاخصة، مما لا يمكن تحقيقه دون التوفّر على المعرفة الواضحة بالعناصر المسهمة في صناعة الحدث : (جغرافية، وزمانيّة، واجتماعية، ونفسية، وسياسية، واقتصادية)، ثمَّ العوامل المؤثّرة في تدوين التاريخ، إيجاباً أو سلباً .
أمّا العلم الحقيقي بذينك البُعدين فهو العلم بكل ما يتعلّق بأركانهما من تفاصيل، وبطرق الاستفادة منها في قراءة ونقد وتحليل وتفسير التاريخ، ثمَّ في الإفادة منه لبناء الحاضر والتأسيس للمستقبل .

القراءة الناقصة للتاريخ :
قُلنا الناقصة ويصحُّ أن يقال : الخاطئة أيضاً، لأننا أردنا بها القراءة التي لا تتمخَّض عن نتائج صحيحة ومفيدة، وهي هذه القراءات العاديّة التي يمارسها جمهور الناس وكثيرٌ من مثقفيهم، بل كثير من علمائهم ومفكريهم، حتّى حين لا يكون لديهم في وعي التاريخ قدمٌ راسخ وباعٌ طويل.
وإمعاناً في التركيز نستطيع أن نحصر مصادر القراءة الناقصة هذه بما يأتي:
1. الافتقار إلى الوعي التاريخي، أو المعرفة الواضحة التي تقدَّم تحديد معناها وأبعادها.
2. الإصابة بذات العوامل التي تؤثِّر سلباً في تدوين التاريخ، فذات العناصر التي قد يقع المؤرّخ تحت تأثيرها وهو يزاول عمله في التدوين، من عوامل ذاتية أو إقليمية أو طبقية أو سياسية أو قبلية أو مذهبية، قد يقع القارئ أيضاً تحت تأثيرها .
وأكثر ما يظهر هذا في القراءة الانتقائية الغالبة لدى جمهور قرّاء التاريخ في سائر الأمم، فكلُّ يتمسَّك بما يسند آراءه المسبقة، بغض النظر عن صدقه أو إمكان تحققه، فيما يردّ على الفور كلَّ ما خالف آراءَه المسبقة، حتى ولو كان مُحاطاً بكل دواعي القبول، من إسناد وسياق ومطابقة وقرائن متقدِّمة ولاحقة، بل قد تراه يبذل جهداً استثنائياً في تفنيده مرتكباً في ذلك أخطاءً شنيعة ومغالطات بشعة.
فكما أن هذه الظاهرة هي أسوءُ آفات التدوين، فهي أسوءُ بالقراءة بالقوّة ذاتها .
3. من آثار النقطتين السابقتين: التوقّف عند مصدر واحد، أو نوع واحد من أنواع المصادر التاريخية، واعتماده كليّاً على أنه يمثّل الحقيقة التاريخية التي لا غُبار عليها .
والحال أنَّ الحدث التاريخي كما يدوّنه المؤرخ المنتمي إلى فصيلة اجتماعية أو سياسية أو مذهبية معيّنة، فقد يدوّنه آخرون ينتمي كلٌّ منهم إلى فصيلة أخرى. وكما يُعنى به المؤرّخ، فقد يُعنى به المحدِّث والشاعر والأديب، فالمتتبع يجد في تراث المحدِّثين والشعراء والأدباء من الثروة التاريخية ما لا يمكن الاستغناء عنه بحال .
4. ما سنذكره في هذه النقطة هو رأي خاصّ كشفته لنا المتابعات، وخلاصته: إن من مصادر الخطأ في قراءة التاريخ الوثوق بنُقول المتكلّمين وأهل الجدل العقيدي أو السياسي، فالذي يفيده التتبع في آثارهم هو أنهم يوجِّهون الأحداث بما يقتضيه ميزان الكلام والجدل لديهم لغرض الانتصار على الخصم دائماً، وغالباً ما يجرُّ هذا إلى تعمّد مجانبة الدقة والأمانة في نقل الحدث أو النَّص التاريخي، ونستطيع أن نقدِّم على ذلك عشرات الأدلة من مختلف طبقات المتكلّمين وفصائلهم، بل إلى هذا المصدر ـ بالدرجة الأولى ـ ترجع الكثير من الرؤى التاريخية الخاطئة أو القاصرة والتي مثَّلت اتجاهات عريضة في قراءة ونقد التاريخ .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


مـنــقول


عدل سابقا من قبل الأواب في الثلاثاء 3 يونيو 2014 - 21:12 عدل 2 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الأواب
الفقير إلى الله أسد الحرمين المرابط
الفقير إلى الله أسد الحرمين المرابط


عدد المساهمات : 83
تاريخ التسجيل : 14/04/2014

مُساهمةموضوع: رد: عندما تشرق الحقيقة 1   السبت 17 مايو 2014 - 2:37

نحن هنا  !


ولقد إقـتبست من كتاب " العرب في العصور القديمه "  لمؤلفه / لطفي عبدالوهاب يحي ، ليكون مدخلا لهذا البحث المتواضع والذي أسأل الله عزوجل أن يتقبله خالصاً لوجهه الكريم وأن يغفر لي ولوالدي وجميع المسلمين ، مكتفياً بعرض الباب الأول فقط ، وما يهمني بالدرجة الأولى من هذا الإقتباس هو جغرافية المكان ، وتسلسل الأحداث التاريخية ، لتتضح الصورة وتكتمل في ذهن القارئ الكريم .  

الباب الأول


منطقة نشوء الحضارات وشبه جزيرة العرب
1 - أبعاد منطقة نشوء الحضارات :
أ ) تحديد المنطقة :
      الحديث عن الحضارات القديمة لا يزال يشكل مجالاً خصبا ً لكثير من المناقشات وكثير من التكهنات ، سواء من حيث المناطق التي ظهرت فيها هذه الحضارات أو من حيث توقيت ظهورها ومن ثم السبق الزمني لكل منها ، فالكتابات التاريخية القديمة التي حاول أصحابها أن يقوموا بالتعريف بهذه الحضارات بشكل جدي لم تظهر إلا في فترة متأخرة من العصور القديمة ، ومن ثم فإن القدر الأكبر من تاريخ هذه الحضارات لم يعاصره  المؤرخون القدماء ، وكانت سبيلهم الوحيدة إلى التعرف إليه هي ما استطاعوا أن يحصلوا عليه من أخبار المجتمعات القديمة عن طريق الرواية أو عن طريق المعلومات المتناثرة التي كانت تتأرجح بشكل غير محدد بين الحقيقة والمبالغة والأسطورة . كذلك لم تكن كتابة التاريخ تمارس آنذاك  على أساس علمي كما هو الحال في الوقت الحاضر ، ومن ثم فإن المؤرخ القديم لم يكن في مقدوره دائماً أن يقوم بتحقيق المعلومات التي يجمعها ، بل إنه في أغلب الأحوال لم يكن يرى من الضروري أساساً أن يقوم بمثل هذا التحقيق ليميز بين ما هو حقيقي و ما هو غير حقيقي . هذا إلى أن هؤلاء المؤرخين القدماء لم يتناولوا في كتاباتهم إلا أماكن أو مناطق محدودة ، هي التي إستطاعوا أن يصلوا إليها أو يسمعوا عنها – ومن هنا فإن هذه الكتابات ، حتى إذا تغاضينا عما جاء فيها من عيوب في جمع المعـلومات أو تدوينها ، لا يمكن أن ننظر إليها على أنها حصر لكافة الحضارات التي ظهرت في العصور القديمه أو لترتيبها الزمني .

فإذا إنتقلنا إلى علم الآثار الذي يعني بالتنقيب عن المخلفات القديمة وكشفها وتفسير مدلولاتها ، نجد أن هذا العلم لم يبدأ إلا منذ فترة وجيزة نسبياً لا تزيد في عمومها عن قرن ونصف القرن . وفي هذا المجال فإننا إذا تغاضينا عن مجهودات الهواة أو المجهودات الإستطلاعية الفردية أو شبه الفردية ، فإننا نجد أن التنقيبات الأثرية التي قامت على أساس منظم ومنتظم تدعمه الإمكانات العلمية والمادية لم يبدأ في مصر ، على سبيل المثال ، إلا في أواسط القرن الماضي ، ولم يبدأ في العراق إلا في أواخره ، ولم يبدأ في شبه الجزيرة العربية إلا في أواسط القرن الحالي ، وهكذا نجد أنفسنا ، مرة أخرى ، بعيدين عن إدعاء المعرفة اليقينية بكل الحضارات السالفة أو بالتوقيت الدقيق لظهور ما نعرفه من بينها . وما أكثر ما يؤدي كشف أثري في منطقة أو في أخرى إلى تعديل في تواريخ ظهور الحضارات القديمة قد يصل إلى عدة قرون ، أو إلى تسبيق ظهور حضارة على حضارة يؤدي إلى تعديل جذري في ترتيبٍ كان معترفاً به ، بكل ما يستتبعه هذا من تغيير في الأبعاد الحضارية من حيث التأثر والتأثير والتأصيل والتفصيل في الجوانب المتعددة التي تتشكل من مجموعها ومن تداخلاتها وتفاعلاتها هذه الحضارات .

ومن هنا فمن المرجح ، أو على الأقل من المحتمل ، أن هناك  حضارات أخرى وجدت في فترة أو أخرى من العصور القديمة ، غير تلك الحضارات التي وصل إلينا العلم بها ، ولكنها لم تكتشف إلا في حدود ضيقة أو لم تكشف إطلاقاً حتى الآن ، وربما كانت هذه الحضارات التي نجهلها أو نجهل أغلب مراحل تطورها ، محلية في طبيعتها ، وربما أثرت في الحضارات التي نعرف عنها ما يمكننا من تتبع تطورها وتسجيل صورة عامة أو متكاملة لها . ومن بين المناطق التي تدخل ضمن هذا الإطار ، على سبيل المثال ، المنطقة الممتدة في أواسط القارة الآسيوية التي شهدت منذ فترة موغلة في القدم قبل بداية التاريخ المعروف حتى الآن إنجازات حضارية في مجال زراعة الحبوب وتدجين الحيوانات وإستخدام المعادن وزخرفة الأواني الفخارية ، وهي منطقة آناو Anau  في جنوبي تركستان ، التي كشف العالم الأثري بمبللي Pumpelli في 1907 عن مخلفات أثرية تثبت وجود هذه الإنجازات بها منذ بدايات الألف الخامسة ق.م . على أقل تقدير ، وهي إنجازات تشير إلى أن بداية التطور الحضاري الذي وصل بها إلى هذه المرحلة الحضارية يرجع إلى تاريخ أقدم من هذا بكثير ( هامش : Cmbridge Ancient History ط3 ج1 القسم الأول 1970 صفحات 169 ، 253 ، 298 ، 303 ، 460 ، 461 . وقد وجدت مخلفات أثرية في بعض مناطق إيران قريبة في أوصافها من تلك التي وجدت في آناو لدرجة توحي بصلات حضارية بين المنطقتين في فجر الحضارة حوالي 4000 ق.م. ) ولكن هذه المنطقة شهدت تغيراً مناخياً بدأ فيه الجفاف يزحف عليها بعد أن كانت منطقة أمطار غزيرة تكفي للزراعة والرعي والإستقرار ، وعلى إثر هذا الجفاف بدأت الهجرة منها إلى كل الجهات تقريباً ومن ثم بدأ إختفاء المظاهر الحضارية فيها . ومن بين ما يذكر ضمن هذا الإطار كذلك شذرات عن حضارة قارة أطلانطيس Atlantis التي يتلمس الباحثون شيئاً عن وجودها في حقبة من حقب الماضي السحيق قبل أن تهبط ، في حدود الإفتراض العلمي السائد الآن ، لتستقر في قاع المحيط الأطلسي من شمالي هذا المحيط إلى جنوبيه ( هامش : أول إشارة وردت في هذا الصدد نجدها عند أفلاطون حوالي 429 – 348 ق.م. في محاورات : 113 , Kritias , 25 Timaeos وتدور حول حضارة قديمة ظهرت في جزيرة تخيلها أفلاطون ــ أو بالأحرى سمع بها من الأساطير المتواترة في عصره ــ قرب الشواطيء الغربية لأوروبا وإفريقيا ثم هبطت في قاع المحيط ) نتيجة لتحركات جيولوجية ، وغير هذه الأحاديث أحاديث أخرى يرد بعضها ، نتيجة لروايات متواترة أو لبقايا أثرية لا تزال قائمة ، عن دول وحضارات قديمة سادت في مجموعة جزر بولينيزية بالمحيط الهادي ، ثم بادت في وقت من الأوقات ( هامش : الظواهر الموجودة في بعض هذه الجزر ، مثل التماثيل البالغة الضخامة في " جزيرة الفصح " Easter Island ، وعدد من القصص الشعبية التي تواترت عن طريق الرواية لتصف عهداً كان محاربون من الأبطال وأمم قوية في جزيرتي " ساموا " Samoa ، وتاهيتي Tahiti والمقدرة الفنية والحساسية الشعرية عند السكان الحاليين لهذه الجزر ، كلها توحي بأننا لسنا بصدد حضارة جديدة في طريق الصعود بقدر ما نحن بصدد حضارة قديمة كانت موجودة ثم إندثرت ، راجع : Will Durant : The Story of Civilization ج1 ، ط22 " 1954 , New York " ص 187 ) .

وفي ضوء هذه الإعتبارات السابقة فإن أي تحديد للمنطقة التي نشأت فيها أولى الحضارات القديمة لايمكن ، بالضرورة ، إلا أن يكون تحديداً نسبياً . ومن منطلق هذا التحديد النسبي لنا أن نفترض أن منطقة نشوء الحضارات هي تلك المنطقة التي ظهرت فيها حتى الآن أقدم الحضارات التي عرفنا عنها شيئاً متكاملاً أو قريباً من التكامل من جهة ، والتي كان لها ، من جهة أخرى ، حتى بعد أن إضمحلت وسقطت ، تأثير مستمر على الحضارات التالية لها لتترك بذلك طابعها ، بشكل مباشر أو غير مباشر . على المسيرة الحضارية التي نعيش الآن أحدث مراحلها .

وفي حدود هذا الإطار فإن مجموعة الحضارات القديمة المتكاملة والمؤثرة بالشكل الذي ذكرته تقع ضمن منطقة حدودها الجغرافية هي خطوط الطول من 10 إلى 70 شرقاً ، وخطوط العرض من 10 إلى 45 شمالاً ، وتشمل من الشرق إلى الغرب ( بغض النظر عن الترتيب الزمني لظهور هذه الحضارات ) إيران ووادي الرافدين وآسيا الصغرى وسوريا ( بالمعنى الجغرافي الذي يشمل المنطقة الممتدة من حدود آسيا الصغرى شمالاً إلى حدود مصر عند الحد الشرقي لشبه جزيرة سيناء جنوباً ) وبعض مناطق شبه جزيرة العرب – هذا في القارة الآسيوية ، ثم مصر في آسيا وإفريقيا ، ثم قرطاجة في إفريقيا ، ثم بلاد اليونان وشبه جزيرة إيطاليا وسواحل شبه جزيرة إيبيريا  ( أسبانيا والبرتغال في الوقت الحالي ) في القارة الأوروبية ، ثم عدد من الجزر الواقعة في البحر المتوسط أهمها جزيرة كريت  .



عدل سابقا من قبل الأواب في السبت 24 مايو 2014 - 2:41 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الأواب
الفقير إلى الله أسد الحرمين المرابط
الفقير إلى الله أسد الحرمين المرابط


عدد المساهمات : 83
تاريخ التسجيل : 14/04/2014

مُساهمةموضوع: رد: عندما تشرق الحقيقة 1   السبت 17 مايو 2014 - 2:50

ب ) المنجزات الحضارية الأولى وهذه المنطقة :
        في هذه المنطقة ( والحديث هنا هو عن العصور القديمة ) ظهرت المنجزات الحضارية الأولى للإنسان ، ففي مجال تنظيم المجتمع ظهرت أول مجموعة قانونية متكاملة تنظم القيم الجماعية والعرف والتقاليد والسوابق وتغطي ثغراتها ، في وادي الرافدين على زمن حمورابي ( ثم بشكل متطور في فترة متأخرة عند الرومان ) . وفي مجال العقائد الدينية ظهرت فكرة التوحيد لأول مرة على يد أخناتون في مصر ( أقول : أي وحَّد أخناتون  جميع الأوثان في وثن واحد ) . كذلك ظهرت أولى الرسالات السماوية في سورية  ( ليعقبها ظهور الرسالتين السماويتين الأخريين مرة في سورية ومرة في شبه الجزيرة العربية ) (أقول : نقلتها كما هي للأمانة العلمية ) . وفي مجال العلوم شهدت المنطقة أولى المحاولات لتحويل المعرفة القائمة على التجربة أو الخبرة إلى نسق علمي في ميادين الفلك والرياضة ( الرياضيات ) . لتتطور بعد ذلك إلى نظريات علمية متكاملة عند اليونان . وفي مجال الهندسة المعمارية ظهرت أولى السدود المستخدمة في التحكم بالمياه وتخزينها في وادي الرافدين واليمن ، كما ظهرت أولى معجزات البناء الذي ترتكز فيه عشرات الآلاف من أطنان الحجر على سقف غرفة صغيرة في أهرام مصر . والشيء ذاته ينطبق على تحويل الصور المستخدمة للتعبير كتابياً عن الأسماء والأشياء إلى قيم صوتية ، ومن ثم إلى أول حروف هجائية يعرفها العالم – توصل إليها المصريون في البداية وإن كانوا لم يضمنوها حروف الحركة ( حروف العلة ) كما استبقوا في آخر كل كلمة مكتوبة بالحروف الهجائية علامة تخصيص أو تمييز بالطريقة التصويرية القديمة ، ثم نقلها الفينيقيون بوضعها الذي لا تظهر فيه حروف الحركة ولكنهم طوروها بتنقيتها من علامات التخصيص التصويرية فأصبحت حروفاً هجائية صرفة ، ثم نقلوها إلى اليونان الذين استكملوها بزيادة حروف الحركة إليها . وأخيراً ، وليس آخراً ، فقد كانت منطقة نشوء الحضارات التي نتحدث عنها هي المنطقة التي عرفت تطور النظم والنظريات السياسية في شكلها الناضج من بداياتها الفردية التي تقوم على المساندة الإلهية أو الحق الإلهي للحاكم حتى وصلت عند اليونان إلى أوسع مراحل هذه النظم والنظريات شعبيةً ، وهي مرحلة الديمقراطية .


ولم تكن هذه المنجزات مجرد نشاط حضاري ظهر وانقرض في الحدود المحلية للمنطقة ، وإنما كانت منجزات أثرت في غيرها من المناطق واستمر تأثيرها كأساس للتطور الحضاري فيما بعد ، فعن منطقة الشرق الأدنى أخذ اليونان دروسهم الأولى وطوروها ، ثم أعادوها للشرق في أعقاب فتوح الإسكندر المقدوني كما صدروها للرومان ، وعممها هؤلاء في الإمبراطورية الرومانية التي شملت كل حوض البحر المتوسط وجزءاً من منطقة الشرق الأدنى ، وعن هذا التراث كله أخذ العرب بعد ظهور الدعوة الإسلامية والفتوح العربية التي أعقبتها وطوروها وأضافوا إليها ، وعنهم وعما تبقى من التراث اليوناني الروماني أخذت أوروبا في عصر النهضة أو عصر الإحياء ( القرن السادس عشر الميلادي ) ، وفي بدايات العصر الحديث ، لتطورها بدورها وتنشرها في العالم الحديث بما فيه الوطن العربي ، ليسترد بذلك جزءاً من تراثه القديم في صورته المتطورة الحديثة .


ج ) المقارنة الحضارية بين هذه المنطقة والمناطق الأخرى :

       هذه المنطقة التي اصطلحنا على تسميتها منطقة نشوء الحضارات ، مرة أخرى في حدود ما تم اكتشافه حتى الآن من الحضارات القديمة ، كانت ، كما رأينا . منطقة الحضارات القديمة المؤثرة التي أسهمت في التطور الحضاري المستمر . ونحن نستطيع أن ندرك هذا بشكل واضح إذا  ألقينا نظرة مقارنة سريعة على بقية المناطق الموجودة في العالم القديم . ففي المنطقة الواقعة إلى شمالي هذه المنطقة ، نجد بقية القارة الأوروبية والجزر البريطانية . وهي منطقة لم تدخل على مسرح التاريخ الحضاري إلا بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية ابتداءً من القرن الخامس الميلادي . وحتى بعد ذلك فقد ظلت حتى عصر النهضة في أوائل القرن السادس عشر الميلادي في شبه انغلاق مظلم على نفسها ، بينما ظلت الجزر البريطانية في انعزالها الحضاري حتى أوائل العصر الحديث . والسبب في ذلك هو سلسلة الحواجز الجبلية التي  تمتد إلى جنوبي هذه المنطقة وتكاد تفصل بينها وبين حوض البحر المتوسط في حاجز يكاد يكون مستمراً من غربي أوروبا إلى شرقيها والتي تشكل سياجاً طبيعياً مانعاً أو شبه مانع . إذا استثنينا بعض الفجوات أو الممرات التي لا تسمح بأكثر من تسرب حضاري ضئيل وبطيء ، ومن ثم غير مؤثر في الأحوال العادية . وإذا كان الرومان قد انطلقوا من خلاله في أواخر العصور القديمة إلى غاله ( فرنسا الحالية ) وإلى بريطانيا ، فإن انطلاقهم كان في حالة غاله لا يشكل إلا حركة تأمين لحدود الإمبراطورية الرومانية ضد القبائل الكلتية المتبربرة الموجودة في هذه المنطقة ، ولايشكل في حالة بريطانيا أكثر من فضول إستعماري – وفي كلتا الحالتين لم يترك أكثر من بعض الآثار اللغوية في  المنطقتين . وباستثناء  ذلك فقد بقيت المنطقة الأوروبية الواقعة إلى شمالي منطقة نشوء الحضارات طوال العصر القديم مغلقة على نفسها ، ومن ثم منعدمة التأثير من الناحية الحضارية .

والشيء ذاته نجده في المنطقة الواقعة إلى جنوبي منطقة نشوء الحضارات والتي يسكنها العنصر الأسود أو الزنجي من الصحراء الكبرى التي تمتد عبر القارة الإفريقية من غربها إلى شرقها . إذ لم تكن هناك طريق لإتصال هذا العنصر بمنطقة نشوء الحضارات إلا نهر النيل والوادي الضيق الذي يحده من الشرق والغرب . ولكن هذه الطريق لم تكن تساعد على أكثر من التسرب البسيط المتقطع لسببين :


أولهما : أن النيل كوسيلة للمواصلات تعترضه من شمالي السودان وحتى الطرف الجنوبي لمصر مجموعة من الجنادل والشلالات التي تقف حاجزاً في سبيل الملاحة النهرية .


والثاني : هو إنحسار الوادي في أقصى جنوب مصر بحيث تكاد الصحراء تلتصق بمجرى النهر مما يحول دون أي نزوح أو إتصال بشري وحضاري على نطاق واسع . وهكذا فإن هذا الجنوب الزنجي إذا كانت له منجزات حضارية قديمة فإنها بقيت مغلقة في أرجائه دون أن تجد سبيلها للإنتشار وللتأثير في إستمرار التطور الحضاري . 


ونأتي أخيراً إلى المنطقة المترامية الواقعة إلى الشرق من منطقة نشوء الحضارات والتي يقطن أغلبها الجنس الأصفر أو العنصر المغولي . إن هذه المنطقة لم تظهر فيها الحضارة إلا في وقت متأخر كانت فيه حضارات الشرق الأدنى ( وهو جزء من منطقة نشوء الحضارات ) قد وصلت إلى درجة كبيرة من التقدم . ففي الصين مثلاً التي كان يعتقد خطأً أنها ذات حضارة بالغة في القدم نجد أن أول قطعة معدنية تشير إلى استخدام الصينيين للمعادن ترجع إلى القرن الثاني عشر ( 1200 ) ق.م. أي بعد استخدام المعادن في مصر بنحو ثلاثة آلاف سنة على الأقل . وبعد استخدامها في غربي آسيا بأكثر من ذلك . أما عن الكتابة فإن أقدم وثيقة مكتوبة باللغة الصينية عثر عليها حتى الآن ترجع إلى القرن الحادي عشر ق.م. أو إلى القرن الذي يسبقه على أكثر تقدير ، أي بعد 1000 سنة من ظهور الكتابة في منطقة الشرق الأدنى . وفوق هذا فإن قبائل الجنس الأصفر التي حملتها هجراتها في اتجاهات متعددة بسبب الجفاف والقحط الذي كان دائم الزحف على إمتدادات وسط آسيا ، حين وصلت عن طريق هذه الهجرات إلى منطقة نشوء  الحضارات . كانت الإنجازات الحضارية قد وصلت في هذه المنطقة إلى ذروة نضجها .


عدل سابقا من قبل الأواب في السبت 24 مايو 2014 - 2:55 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الأواب
الفقير إلى الله أسد الحرمين المرابط
الفقير إلى الله أسد الحرمين المرابط


عدد المساهمات : 83
تاريخ التسجيل : 14/04/2014

مُساهمةموضوع: رد: عندما تشرق الحقيقة 1   السبت 17 مايو 2014 - 23:40

  2 - أسباب نشأة الحضارات الأولى في هذه المنطقة :
المنطقة التي نحن بصدد الحديث عنها ، إذن ، والتي أطلقنا عليها ، اصطلاحاً ، اسم منطقة نشوء الحضارات كانت ، كما رأينا أسبق من غيرها في ظهور الإنجازات الحضارية الأولى – مرة أخرى في حدود ما نعرفه من الحضارات القديمة حتى الآن . ولكن ما هي الظروف التي اختصت هذه المنطقة دون غيرها بالسبق الحضاري ؟ هل هي الصدفة التاريخية ؟ إن الصدفة التاريخية قد تلعب في أحيان غير قليلة دوراً كبيراً في تحويل مسار الحضارة البشرية ، وهو أمر من الطبيعي أن يسوقنا إلى التساؤل عما إذا كانت كذلك قد لعبت دوراً في ظهور الحضارة البشرية . ولكن مع ذلك فالحديث عن عامل الصدفة حديث لا يمكن ضبطه أو تقنينه – ومن ثم ، فرغم كونه وارداً من حيث الإحتمال ، إلا أن الخوض فيه يصبح من قبيل الحديث عن الغيبيات التي يمكن أن تؤدي بنا إلى آفاق مجهولة .

كذلك هل نستطيع أن نعزو السبق الحضاري لمنطقة نشوء الحضارات إلى أسباب تتعلق بالتفوق العنصري للسكان الذين قطنوا هذه المنطقة منذ أقدم العصور البشرية ؟ إن أحدث البحوث الإنثروبيولوجية ( المتعلقة بعلم الإنسان ) قد أثبتت أن التفوق العنصري ، فضلاً عن النقاء العنصري أصلاً ، خرافة لا تقوم على أسس علمية ( خوان كوماس – ترجمة محمد رياض – القاهرة 1960 ، ص 63 ) . هذا ، فضلاً عن أن إستقراء الواقع التاريخي منذ أقدم العصور حتى الوقت الحاضر ، يثبت بشكل قاطع أن الإنجاز الحضاري لم يكن حكراً على عنصر بشري دون غيره من العناصر – ومن ثم يصبح الخوض في الحديث عن التفوق العنصري ، هو الآخر ، أمراً لا يرتكز على أسس علمية يمكن أن نثق بنتائجها .

هل هناك أسباب أخرى لهذا السبق الحضاري الذي تميزت به المنطقة ؟ ربما كانت هناك أسباب متعددة . ولكن يوجد على الأقل سبب واحد لا يمكن أن نتجاهل أثره على المجموعات البشرية ، وهذا السبب يكمن في ظروف البيئة الجغرافية في الفترة التي نحن بصدد الحديث عنها . وظروف البيئة أمر أثبت البحث العلمي أثره الفعال على المجموعات البشرية في كل العصور ، وبخاصة في العصور القديمة التي لم يكن فيها الإنسان قد سيطر بعد على الطبيعة بالشكل الذي عرفه في العصور التالية والذي نعرفه الآن ، ومن ثم كان أكثر تأثراً وانطباعاً بهذه الظروف ، فإما أن تكون ظروف البيئة مواتية للنشاط البشري فيكون هناك إنطلاق وإنجاز ، وإما ألا تكون مواتية فيكون هناك تقييد وجمود . وقد كان هناك أكثر من ظرف جغرافي ترك أثره بشكل واضح على منطقة نشوء الحضارات .

أ ) ظرف المناخ :
            وقد كان المناخ أحد الظروف الجغرافية الرئيسية التي أثرت على المنطقة – وكان المناخ الذي سادها مواتياً  للنشاط البشري بشكل ملحوظ . ونحن نستطيع أن ندرك ذلك بصورة واضحة إذا عرفنا أن الخطوات الأولى التي خطاها الإنسان على طريق الحضارة في العصر الحجري القديم ، وهو أول العصور الحضارية للمجموعات البشرية ، قد عاصرت الدهر البليستوسيني ، وهو أحدث الدهور الجيولوجية في تاريخ الأرض ، وكان إبتداؤه منذ نحو نصف مليون سنة ونهايته في أوائل الألف العاشرة ق.م. تقريباً . لقد شهدت الأرض في هذا الدهر أربع فترات طويلة من الزحف الجليدي على المناطق الشمالية من الكرة الأرضية امتدت كل منها عبر عشرات الآلاف من السنين . كانت تناظرها في المناطق الإستوائية أربع فترات من الأمطار السيلية  الغزيرة – وهذه ظروف تجعل الهم الأول والأخير للإنسان أن يتفادى قسوتها ومن ثم لا يمكن أن تكون مواتية لأي نشاط بشري إيجابي سواء في المنطقة الشمالية أو في المنطقة الإستوائية . ولكن على عكس ذلك كانت الظروف الجغرافية في منطقة نشوء الحضارات . لقد كانت هذه المنطقة تقع في مكان وسط بين الظروف الجغرافية القاسية . سواء بسبب الزحف الجليدي في المنطقة الشمالية أو بسبب الهطول المستمر للأمطار السيلية الغزيرة في المنطقة الإستوائية . وهكذا تمتعت بمناخ معتدل نسبياً لا يعوق النشاط الإيجابي للمجموعات البشرية التي تقطنها ، ومن ثم كان تحرك هذه المجموعات لا ينصرف كله إلى مجرد الإحتماء من الظروف الجغرافية القاسية . وإنما أصبح المجال مفتووحاً لما يمكن أن نسميه الحوار بين هذه المجموعات البشرية وظروف البيئة التي تحيط بها ، تتغلب على صعوباتها تارةً وتنتفع بميزاتها تارةً أخرى – ومن ثم كانت الإنجازات الحضارية الأولى .

ب ) ظرف المواصلات السهلة :
            على أن المناخ الملائم للنشاط الإنساني لم يكن هو الظرف الجغرافي الوحيد الذي يسّر لسكان المنطقة سبل التحرك الحضاري المبكر ، وإنما كانت هناك ظروف أخرى ، من بينها سهولة المواصلات بين أرجاء المنطقة . وسهولة طرق المواصلات معناها تيسير الإلتقاء والتعامل بين المجموعات السكانية في أرجاء المنطقة المختلفة ، ومن ثم الإنتفاع المتبادل بتجارب كل مجموعة ، الأمر الذي يؤدي إلى تطوير الإنجازات البشرية على طريق التقدم .

ونحن إذا نظرنا إلى خريطة المنطقة التي أسميناها منطقة نشوء الحضارات نجد طريق الإتصال بين أقسامها المختلفة ميسرة إلى حد كبير ، سواء في ذلك طرق الإتصال البري أو طرق الإتصال عن طريق البحر . فمن إيران في الطرف الشرقي للمنطقة نجد طريقين بريتين يوصلان إلى منطقة وادي الرافدين ، إحداهما في محاذاة الساحل الجنوبي ، والثانية عبر الممرات الموجودة في جبال زاجروس . ومن وادي الرافدين نجد طريقين بريتين توصلان إلى آسيا الصغرى وإلى المنطقة السورية ومن المنطقة السورية تمتد طريق برية ساحلية إلى مصر. بينما تخترق شبه الجزيرة العربية عدة طرق ، إحداها من اليمن إلى سورية عن طريق مكة ، وأخرى من اليمن إلى وادي الرافدين عن طريق نجد والمنطقة الشمالية الشرقية لشبه الجزيرة ، وثالثة بين اليمن والمنطقة الشرقية وهكذا . وقد ظهرت آثار هذا الإتصال السهل بشكل واضح في العصور التاريخية في هذه المنطقة سواء من حيث التأثيرات الفنية والأدبية والفكرية والدينية بين أنحاء المنطقة ، أو من حيث النزاعات العسكرية والعلاقات والإحتكاكات السياسية ، ولكن ما يهمنا الآن في ما يخص الخطوات الحضارية الأولى لسكان هذه المنطقة ، هو أن التجارب والإنجازات الأولى سواء من ناحية إستخدام المعادن وأنواع الأحجار التي قد تتوفر في قسم من المنطقة دون قسم آخر أو تنظيم المجموعات البشرية الأولى على هيئة مجتمعات قروية أو طرز الأدوات التي كانوا يستخدمونها أو الأساطير التي كانت تمثل محاولة تغلب الإنسان البدائي على أسرار الكون المحيطة به كل هذه التجارب كان تبادلها تأثراً وتأتيراً أمراً واضحاً في علاقات المجتمعات التي قامت في المنطقة نتيجة لسهولة هذه المواصلات البرية بين أرجائها .

وكما أسلفت ، لم تكن هذه المواصلات البرية هي التي تفردت بهذه السهولة ، وإنما كانت البحار كذلك عاملاً أسهم إلى حد كبير في هذه السهولة . فالبحر المتوسط ، في حقيقة أمره يشكل إستمراراً نحو الغرب لهذه المواصلات السهلة . والبحر المتوسط له ميزات تجعله من أنسب طرق الإتصال المائية التي تشجع الإنسان الأول وتساعده على الحركة والإنتقال . وأول هذه الميزات أنه بحر هادئ إلى حد كبير ، بل هو في الواقع يكاد يكون بحيرة مغلقة إذا استثنينا المضيق الموجود عند طرفه الغربي والذي أصبح يعرف منذ الفتح العربي بإسم مضيق جبل طارق ، ومضايق البسفور والدردنيل الواقعة عند طرفه الشرقي . وحتى هذه توصل إلى بحر مغلق هو البحر الأسود – ومثل هذا الهدوء يعتبر أكبر عون للإنسان الأول في انتقالاته المائية . كذلك فإن عاملاً آخر ييسر إلى حد كبير إتصال المجموعات البشرية الأولى ، وهو تقارب شواطئه المطلة على القارات الثلاثة : آسيا وإفريقيا وأوروبا لدرجة تكاد تصل إلى التلاصق في بعض الأحيان ، فنحن نجد مثلاً هذا التقارب الشديد بين الشاطئ الآسيوي والأوروبي عبر مداخل البحر الأسود ، ونلحظه مرة أخرى بين الطرف الجنوبي الغربي لشبه جزيرة إيطاليا والطرف الشمالي الشرقي لقرطاجة ( تونس الحالية ) عبر جزيرة صقلية ، في المنطقة الوسطى للبحر المتوسط ، ثم نشاهده مرة ثالثة في أقصى الغرب بين الطرف الجنوبي لشبه جزيرة إيبيريا الأوروبية وبين الطرف الشمالي الغربي للقارة الإفريقية ، وليس هذا كل شيء فبين شبه جزيرة آسيا الصغرى وبين الشواطئ الأوروبية في شبه جزيرة البلقان عدد من الجزر الصغيرة والكبيرة يبلغ عدة مئات تكاد تشكل جسراً متصلاً بين القسم الآسيوي والقسم الأوروبي من منطقة نشوء الحضارات ، وهو جسر كان له أكبر الأثر في تيسير التحركات البشرية في العصور الأولى للنشاط الحضاري الإنساني . هذا إلى وجود عدد من الجزر الكبيرة التي تمتد من شرقي البحر المتوسط إلى غربية لتشكل ما يمكن أن نعتبره محطات تساعد الملاح الأول على الإنتقال في هذا البحر . من بينها ، ابتداء من الشرق إلى الغرب ، جزيرة قبرص وجزيرة كريت وجزيرة صقلية وجزيرتا قورصقه وسردينية .

 

ج ) الحدود شبه المانعة للمنطقة :
        وإذا كانت طرق المواصلات السهلة في منطقة نشوء الحضارات قد ساعدت على تيسير الإتصال ومن ثم التعامل والإنتفاع المتبادل بتجارب المجموعات البشرية التي تقطنها ، فإن ظرفاً جغرافياً آخر قد ساعدت على تكثيف هذا الإتصال عن طريق حصره إلى حد كبير في المنطقة . هذا الظرف يتعلق بالحدود شبه المانعة لهذه المنطقة بالشكل الذي يوجه إتصال سكان المنطقة إلى داخلها وليس إلى خارجها بشكل يكاد يكون تاماً في العصور القديمة إذا إستثنينا بعض إتصالات بسيطة ومتباعدة وغير منتظمة .

ونحن نستطيع أن نلمس ذلك إذا تتبعنا حدود المنطقة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب . فعند الطرف الشرقي للهضبة الإيرانية تمتد الجبال المحاذية للشواطئ الغربية لنهر السند من الجنوب لكي تلتحم في أقصى الشمال بجبال الهملايا ، وتشكل بذلك ، هي والكثافة السكانية الكبيرة إلى شرقيها في الهند ، حاجزاً يتوقف عنده التوجيه الحضاري والتاريخي لهضبة إيران . وعلى طول الحدود الشمالية لهذه الهضبة نجد إمتدادات آسيا الوسطى بسهولة ومناطقها المقفرة ، فإذا إتجهنا غرباً نجد مرتفعات أرمينية ثم جبال يونتوس في شمالي شبه جزيرة آسيا الصغرى ، حتى إذا تخطينا مداخل البحر الأسود إلى القارة الأوروبية وجدنا سلاسل جبال الكريات والألب الدينارية التي تحد شبه جزيرة البلقان من الشمال ، ثم جبال الألب التي تقع إلى شمالي شبه الجزيرة الإيطالية وإلى جنوبي فرنسا ، ثم سلسلة جبال البرانس التي تحد شبه جزيرة إيبيريا ( أسبانبا والبرتعال الحاليين ) في أقصى الغرب . فإذا انتقلنا إلى جنوبي البحر المتوسط ونظرنا إلى السهل الساحلي الذي يمتد بطول هذا البحر وجدنا جبال أطلس ثم النطاق الصحراوي الذي تشكله الصحراء الإفريقية الكبرى من غربي القارة حتى تعبر وادي النيل في مصر وتستكمل امتدادها شرقاً تحت إسم صحراء العرب التي تنتهي عند سلسلة الجبال المحاذية للساحل الغربي للبحر الأحمر . أما وادي النيل الذي يخترق هذه الصحراء من الشمال إلى الجنوب فنجد أنه ، حين يصل إلى حدود مصر الجنوبية يعترضه حاجزان رئيسيان سبق أن أسلفت الإشارة إليهما وهما : الجنادل والشلالات التي تعترض مجرى النيل ، ومن ثم تعترض الملاحة النهرية فيه ، ثم انحسار الوادي على جانبي النهر مما لا يسهل أية اتصالات سكانية وحضارية واسعة النطاق مع المنطقة التي تلي ذلك جنوباً . فإذا عبرنا البحر الأحمر إلى شبه الجزيرة العربية وانحدرنا جنوباً إلى الساحل جنوبي لها . وجدنا المحيط الهندي ، تلك المساحة المائية التي لا تليها أرض إلى الجنوب وحقيقة إن هذا المحيط قد أصبح في فترة متأخرة نسبياً طريق مواصلات سهلة تصل بين منطقة نشوء الحضارات وغيرها . ولكن هذا حدث بعد أن كانت المنطقة قد استقرت على شكلها الحضاري بعد فترة التكوين الحضارية الأولى .

في داخل هذه المنطقة بحدودها الجغرافية التي تكاد تعزلها عن المناطق الأخرى المحيطة بها ، تركزت التحركات الحضارية الأولى . ومن ثم تطورت وتعمقت التجربة الحضارية بدلاً من أن تتبعثر وتتسطح أو ربما تندثر . وقد ظل هذا الطابع ملازماً للمنطقة حتى  بعد أن تخطت مرحلة الظهور الحضاري إلى المرحلة التاريخية . وهكذا وجدنا التحركات الحضارية ، سواء اتخذت شكلاً سلمياً أو سارت في طريق العنف ، تتم داخل المنطقة وفي حدودها . فالهجرات البشرية التي انطلقت من شبه الجزيرة العربية استقرت على الساحل السوري وفي وادي الرافدين ، والهجرات الفينيقية استقرت في قرطاجة والمناطق المحيطة بها على الساحل الإفريقي وامتدت إلى شواطئ شبه جزيرة إيبيريا ( في أوروبا ) والهجرات اليونانية استقرت في جزر البحر المتوسط وعلى كافة شواطئه . والإمبراطوريات المصرية والآشورية والفارسية ، وإمبراطورية الإسكندر الأكبر والإمبراطورية الرومانية ، كلها تمت داخل حدود المنطقة باستثناءات لا تكاد تذكر ( كان هدفها الأساسي تأمين الحدود ) ، والتراث الفكري والعلمي والأدبي والديني دار داخل المنطقة ، منها وإليها ، طوال العصور القديمة .

وهكذا ينظم هذا الطرف الجغرافي المتصل بحدود المنطقة إلى الطرفين الآخرين المتعلقين بالمناخ وسهولة طرق المواصلات البرية والبحرية ليجعل من هذه المنطقة أنسب المناطق لنشوء الحضارات : مناخ معتدل أو شبه معتدل يساعد على النشاط الحضاري في وقت لم يكن الإنسان فيه قد تمكن بعد من تذليل مصاعب البيئة وعقباتها ، وطرق اتصال سهلة تمكن المجموعات البشرية في داخل المنطقة من تبادل تجاربها الحضارية ومن ثم تطويرها وتنميتها ، وحدود شبه مانعة تؤدي إلى تركيز تلك التجارب وتعميقها بدلاً من بعثرتها وتسطيحها .


عدل سابقا من قبل الأواب في السبت 24 مايو 2014 - 3:21 عدل 5 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الأواب
الفقير إلى الله أسد الحرمين المرابط
الفقير إلى الله أسد الحرمين المرابط


عدد المساهمات : 83
تاريخ التسجيل : 14/04/2014

مُساهمةموضوع: رد: عندما تشرق الحقيقة 1   الأحد 18 مايو 2014 - 1:40

3 شبه جزيرة العرب ضمن منطقة نشوء الحضارات :
 
    أ ) حول الدور الحضاري لشبه جزيرة العرب :
وفي وسط منطقة نشوء الحضارات التي رأينا أنها تمتد من حدود الإمبراطورية الفارسية عند مشارف الهند شرقاً إلى حدود الإمبراطورية الرومانية عند شواطئ المحيط الأطلسي غرباً تقع شبه الجزيرة العربية في النصف الجنوبي من القسم الأوسط . وقد بدأ أقدم دور حضاري كبير في منطقة نشوء الحضارات فعلاً في القسم الأوسط من المنطقة ، ولكنه ابتدأ في النصف الشمالي منها ، في مصر ووادي الرافدين وسورية ، حيث أخذ هذا الدور يظهر بشكل واضح ، بعد فترة تمهيدية طويلة . ابتداءً من الألف الرابعة ق.م. أما النصف الجنوبي الذي تشغله شبه جزيرة العرب فقد تأخر دوره الحضاري عن ذلك كثيراً . وفي الواقع فإن أقدم أقسام شبه الجزيرة من حيث الظهور الحضاري الملموس في العصور التاريخية القديمة ، وهو القسم الجنوبي الغربي ، لا نعرف عنه في مجال الإنجاز الحضاري إلا في فترة تعود إلى القرن الثامن ق.م. أو إلى القرن السابق له على أبكر تقدير ( هامش : عثر في القسم الشمالي من شبه الجزيرة العربية – منطقة الإحساء والقطيف حالياً – على مخلفات حضارية في شكل بقايا فخارية ترجع إلى حضارة عصر العبيد " 4000 – 3500 ق.م. " . وتشير هذه إلى اتصالات حضارية مع وادي الرافدين حيث أكتشفت بقايا هذه الفترة الحضارية – راجع الباب الرابع الخاص بالآثار والنقوش في هذه الدراسة ، وراجع ملحق الخرائط ، خريطة رقم 5 – ولكن هذه المخلفات الفخارية ، حتى إن دلت على خطوات حضارية ذاتية مبكرة – وليست مجرد تأثر بحضارة وادي الرافدين في عصر العبيد ، وهو أمر مرجح حتى الآن – فهي على أي الأحوال لم تستمر لتشكل كياناً حضارياً واضحاً ، ولم تمثل دوراً حضارياً مؤثراً في العصور القديمة ) . وحقيقةً إن المخلفات الأثرية في هذه المنطقة تشير إلى تقدم في فن المعمار وإلى تنظيم واضح في مجال الأمور الداخلية للبلاد وإلى معرفة بالكتابة والخط المتطور كما تشير إلى نشاط خارجي تجاري وعسكري وسياسي – وكلها أمور تركت بعض التأثيرات الحضارية في الأماكن التي اتصلت بها هذه المنطقة أو امتد إليها نفوذها ، إلا أن الأثر الحضاري الكبير ، وهو ما يمكن أن نسميه بالدور الحضاري ، لم يظهر سواء في القسم الجنوبي الغربي من شبه جزيرة العرب أو في بقية أنحاء شبه الجزيرة إلا بعد ذلك بما يقرب من خمسة عشر قرناً .
لقد بدأ هذا الدور الحضاري المؤثر لشبه جزيرة العرب في القرن السابع الميلادي على أثر ظهور الدعوة الإسلامية  وانطلاق الفتوح العربية من شبه الجزيرة وعبر عن نفسه في ثلاثة تيارات متواكبة ، تركت أثرها واضحاً على المسار التاريخي والحضاري آنذاك ولازال هذا الأثر مستمراً حتى الآن . وتمثل أحد هذه التيارات في نشر الدين الإسلامي وانتشاره بين مجموعات بشرية تمثل كل العناصر تقريباً وتنتشر في مناطق تمتد من المحيط الأطلسي غرباً إلى جزر إندونيسية شرقاً ، وهو دين لا يقتصر على الجانب الروحي وإنما يشمل إلى جانبه طرقاً للتعامل تشكل أسلوباً للحياة يمارسه في الوقت الحاضر أكثر من 450 مليون شخصاً . والتيار الثاني كان حركة التعريب التي انتهت بأن أصبحت اللغة العربية هي لغة الحياة اليومية والرسمية في المناطق التي تمتد عبرها مناطق تضم ما يقرب من مائة مليون شخصاً . أما التيار الثالث فهو الحركة العلمية والثقافية النشطة التي قام بها العرب أو شجعوا عليها وهيئوا لها الأجواء المناسبة . لقد استوعبت هذه الحركة الحضارات القديمة التي كانت موجودة بالمنطقة المحيطة بشبه الجزيرة في مصر وسورية ووادي الرافدين وبلاد فارس ، كما استوعبت الملامح الرئيسية للحضارة اليونانية الرومانية وطورتها في فترة الركود العلمي والثقافي التي عرفتها أوروبة في العصور الوسطى ، وأسهمت بذلك في إيقاظ أوروبة في عصر النهضة أو عصر الإحياء الذي أسلمها إلى عصر الحضارة الحديثة ، وبذلك تفادت المسيرة العلمية والثقافية خطر الإنقطاع الذي كان يمكن أن يحدث ، ومن ثم يؤثر على الإستمرار الحضاري ، إذا أدخلنا في اعتبارنا أن عصر الظلام والركود الأوروبي في العصور الوسطى أعقبه مباشرة عصر ظلام وركود شرقي استمر عدة قرون على عهد الحكم العثماني .

ب ) مقدمات هذا الدور قبل ظهور الإسلام :
          وهنا يجدر بنا أن نتوقف لحظة . فهذا الدور الحضاري الكبير الذي انطلقت بوادره ومقوماته الأولى من شبه الجزيرة العربية ابتدأ في العصر الإسلامي ، ومن ثم فهو ليس دوراً قامت به شبه الجزيرة قبل ظهور الدعوة الإسلامية التي تشكل بداية هذا العصر . وهذا صحيح ، ولكن أي دور حضاري لا يبدأ من فراغ ، وإنما لابد له من مقدمات تمهد له الطريق وتهيء له أسباب النجاح . وقد كانت هذه المقدمات متوفرة في شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام نتيجة لعدد من الأوضاع التي كانت تسود المنطقة والتي أدت إليها ظروف الرقعة المكانية التي تشغلها شبه الجزيرة – وهي ظروف تتمثل من جهة في الموقع الذي يتوسط خطوط المواصلات بين الشرق والغرب ، والذي يتمثل من جهة أخرى في الموضع الذي تفرض طبيعته على سكان المنطقة الحركة المستمرة رعياً أو تجارة ، ثم يتمثل من جهة ثالثة في الطبيعة الصحراوية الغالبة على شبه الجزيرة والتي جعلتها أو جعلت القسم الأكبر منها بمنأى عن أية أطماع جادة من جانب القوى الدولية ، ومن ثم أتاحت الفرصة لإنتشار العقيدة الجديدة وقيام دولة موحدة في شبه الجزيرة ، الأمر الذي يشكل مقدمة مطلوبة تاريخياً لبداية الدور الحضاري الغربي .
وفي هذا المجال فإن شبه الجزيرة العربية كانت تخترقها الخطوط التجارية البرية اتجاهاً نحو الخليج ووادي الرافدين والمنطقة السورية . ومعنى هذا أن الاتصال كان دائماً بين السكان الذين يقطنون كل أقسام شبه الجزيرة تقريباً . فإذا أضفنا إلى هذا حياة الرعي التي كانت تفرض على أعداد كبيرة من السكان أن يتنقلوا بشكل دائم أو موسمي سعياً وراء الكلأ وعدداً من الهجرات الداخلية التي قد تترتب على هذا ( أو على غيره من الأسباب ) لأمكن أن نتصور أقسام شبه جزيرة العرب في حالة اتصال مستمر فيما بينها . وهو أمر يؤدي بمرور الوقت إلى قدر غير قليل من التقارب بل التجانس فيما بين سكان هذه الأقسام في أكثر من جانب من جوانب حياتهم .

وقد أدى هذا التجانس فعلاً إلى ظهور بوادر ملموسة للشخصية أو الهوية الجماعية للعرب رغم التفتت السياسي لشبه الجزيرة في صورة قبائل أو تجمعات قبائل أو إمارات أو دول . ونحن نلمس بوادر هذه الشخصية العربية ابتداءً من أواسط القرن التاسع ق.م. في عدة نصوص من سجلات الملوك الآشوريين تصف عدداً من الشخصيات التي احتك بها ملوك دولة آشور بأنهم " عرب " أو أنهم ملوك أو ملكات على " بلاد العرب " ( بغض النظر عن الإمتداد أو الشمول الذي تعنيه صفة " بلاد العرب " في هذه السجلات ) . وهو وصف يشير إلى أن الهوية العربية بدأت تحل ، على الأقل في المعاملات الخارجية ، محل الهوية العشائرية أو القبلية . كذلك نجد هذه الصفة " العربية " سواء بالنسبة للسكان أو بالنسبة للبلاد تظهر بشكل محدد ومتواتر في كتابات المؤرخ اليوناني هيرودوتس Herodotos في أواسط القرن الخامس ق.م. وتستمر من بعده سواء عند الكتاب اليونان أو الرومان أو البيزنطيين حتى ظهور الإسلام .
كذلك يشير إلى هذا التقارب أو التجانس ، ومن ثم إلى الهوية العربية التي مهدت لنجاح الدور العربي التاريخي بعد ظهور الإسلام ، بعض ظواهر أخرى : من بينها عدد من المناسبات التي أخذ العرب يعتزون بها كمناسبات عربية بغض النظر عن المنطقة التي حدثت فيها . وأعني بهذه المناسبات ما اصطلح المؤرخون على تسميته بأيام العرب ، مثل " يوم ذي قار " وهي الموقعة التي انتصر فيها عرب الحيرة على القوات الفارسية ، أو يوم " الفيل " الذي سجل ارتداد أبرهة وجنوده عن هدم الكعبة قبيل ظهور الإسلام . ومن بين هذه الظواهر التي نلمس فيها الشخصية الجماعية العربية كذلك ، الأماكن التي كان العرب يتجمعون فيها لإلقاء الشعر بغض النظر عن انتماءاتهم القبلية ، مثل " سوق عكاظ " ( شمالي الطائف ) ، والإتفاق الجماعي على اعتبار عدد من شهور السنة " أشهراً حرماً " لا يجوز الإقتتال أثناءها بين القبائل العربية حتى يتوفر الأمن الجماعي اللازم لممارسة العرب أسباب حياتهم في شيء من الطمأنينة والاستقرار .
كذلك فإن هذا التجانس أو التقارب لابد أنه ظهر في تقارب اللهجات في المنطقة المختلفة من شبه الجزيرة العربية ، وهو تجانس يصل إلى ما يقرب من التأكيد إذا تذكرنا أن القرآن نزل بلهجة قبيلة قريش ، ومع ذلك فما لبث في خلال عقدين من الزمان أن انتشر بلهجته هذه في  كل أرجاء شبه الجزيرة . وفي الواقع فإنه ليس لدينا ما يدعو لإفتراض أن بقية قبائل شبه الجزيرة قد اضطرت إلى تعلم لهجة قريش حتى تفهم آيات القرآن الكريم ، وإنما تشير كل الملابسات إلى أن معرفتهم بهذه اللهجة كانت شيئاً مفروغاً منه – الأمر الذي يعزز افتراض التقارب الوثيق بين اللهجات العربية قبل ظهور الإسلام ، او وجود لهجة عامة يعرفها جميع العرب ، بغض النظر عن لهجاتهم المحلية .
وهكذا يتضح لنا أثر الظروف المكانية في التجانس الكبير بين عرب شبه الجزيرة لتصبح لديهم مقومات الهوية أو الشخصية الجماعية التي تساعد على سرعة انتشار أية حركة تتوفر لها البداية المقنعة لسبب أو لآخر ، كما حدث في حال الدعوة الإسلامية . على أن هذا التجانس لم يكن كل ما أسهمت به الطبيعة المكانية لشبه الجزيرة العربية في سرعة انتشار الدعوة لإسلامية بها كبداية للدور الحضاري العربي خارجها . فقد ساعد هذا العامل المكاني في هذه السرعة بطريقة أخرى . لقد بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم دعوته في مكة المكرمة . وحين ضيقت قريش الخناق على نشاطه وعلى أتباعه بما قد يؤدي إلى بطء انتشار الدعوة ، هاجر هو وصحبه إلى يثرب ( المدينة المنورة فيما بعد ) . وحقيقةً إن الرسول صلى الله عليه وسلم كانت له صلة قربى في يثرب ، ولكن الحقيقة الأخرى التي تواكبها هي أن يثرب كانت تقع على طريق القوافل التجارية إلى الأسواق السورية في الشمال ، ومن يتحكم في موقعها يصبح في يده أن يخنق تجارة قريش إلى الشمال . وفي الواقع إن المتأمل  للخط التجاري الذي يصل بين مكة والشمال لا يسعه إلا أن يلاحظ أن أهم غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم ، إلى جانب ملابساتها الأخرى بطبيعة الحال ، كانت تقع على هذا الخط التجاري كما يبدو واضحاً في غزوة بدر ( جنوب غربي المدينة في الطريق إلى مكة ) ثم في غزوات أحد ( على مشارف المدينة ) وخيبر وتبوك اتجاهاً نحو الشمال على خط القوافل التجارية الى سورية . وحين تمت غزوة الفتح وأذعنت مكة لإرادة الرسول صلى الله عليه وسلم كان معنى هذا في الحقيقة الإستيلاء على الموقع الذي كانت تسيطر عليه قبيلة قريش . وهو الموقع الذي كان يتحكم في خطوط القوافل شمالاً إلى سورية وجنوباً إلى اليمن واتجاهاً نحو الشمال الشرقي إلى وادي الرافدين – الأمر الذي مكن الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه من التصدي لكل من يتعرض للدعوة الإسلامية التي كانت بداية للدور الحضاري التاريخي الذي انطلق من شبه الجزيرة العربية .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
عندما تشرق الحقيقة 1
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
عمرو خالد المسيح الدجال :: الفتن وعلامات الساعة-
انتقل الى: